المقريزي

187

إمتاع الأسماع

الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ( 1 ) ، ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها ، واشترى ما أراد أن يشتري ، ثم أقبل قافلا إلى مكة ، ومعه ميسرة ، وكان ميسرة - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرة واشتد الحر ، يرى ملكين يظلانه من الشمس ، وهو يسير على بعيره ، فلما قدم مكة على خديجة بمالها ، باعت ما جاء به فأضعفت أو قريبا ، وحدثها ميسرة عن قول الراهب ، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه . وكانت خديجة امرأة حازمة ، شريفة لبيبة ، مع ما أراد الله [ تعالى ] بها من كرامته ، فلما أخبرها ميسرة عما أخبرها به ، بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : فيما يزعمون يا ابن عم ؟ إني قد رغبت لقرابتك مني ، وشرفك في قومك ، ووسيطتك فيهم ، وأمانتك عندهم ، وحسن خلقك ، وصدق حديثك ، ثم عرضت عليه نفسها ، وكانت خديجة يومئذ أوسط قريش نسبا ، وأعظمهم شرفا ، وأكثرهم مالا ، وكل قومها قد كان حريصا على ذلك منها ، لو يقدر على ذلك ( 2 ) .

--> ( 1 ) قول الراهب : ( ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ) ، قال السهيلي : ( يريد ما نزل تحتها هذه الساعة قط إلا نبي ، لبعد العهد بالأنبياء قبل ذلك . . . والشجرة لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل ، حتى يدرى أنه لم ينزل تحتها إلا عيسى صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء ) . ( 2 ) ( دلائل النبوة للبيهقي ) : 2 / 66 - 67 ، ( سيرة ابن هشام ) : 2 / 6 - 8 ، ثم قال في هامشه : ( قول خديجة رضي الله عنها : لسطتك - أو وسيطتك - في عشيرتك ) وقوله في وصفها : ( هي أوسط قريش نسبا ) فالسطة : من الوسط ، مصدر ، كالعدة والزنة ، والوسط من أوصاف المدح ، والتفضيل ، ولكن في مقامين : في ذكر النسب ، وفي ذكر الشهادة . أما النسب ، فلأن أوسط القبيلة أعرفها ، وأولادها بالصميم ، وأبعدها عن الأطراف ، وأجدر أن لا تضاف إليه الدعوة ، لأن الآباء والأمهات قد أحاطوا به من كل جانب ، فكان الوسط من أجل هذا مدحا في النسب بهذا السبب . وأما الشهادة ، فنحو قوله سبحانه : ( قال أوسطهم ) ، وقوله : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) ، فكان هذا مدحا في الشهادة ، لأنها غاية العدالة في الشاهد أن يكون وسطا كالميزان ، لا يميل مع أحد ، بل يصمم على الحق تصميما ، لا يجذبه هوى ، ولا تميل به رغبة ولا رهبة ، من ها هنا ، ولا من ها هنا ، فكان وصفه بالوسط غاية في التزكية والتعديل . وظن كثير من الناس أن معنى الأوسط : الأفضل على الإطلاق ، وقالوا : معنى الصلاة الوسطى : الفضلى ، وليس كذلك ، بل هو في جميع الأوصاف لا مدح ولا ذم كما يقتضي لفظ التوسط .